أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
118
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فعميت ، فأنكرت نور الحق من أصله : قال سيدي البوصيري : قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم وهذه بصيرة الكفار قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . وقسم صح ناظرها لكنها مسدودة لضعف ناظرها لمرض أصابه فهي تقر بالنور ، لكنها لا تقوى على مشاهدته ، ولا تشهد قربه منها ، ولا بعده عنها ، وهي لعامة المسلمين ، وقسم صح ناظرها وقوي شيئا ما حتى قرب أن يفتح عينه لكن لشدة الشعاع لم يطق أن يفتح عينه فأدرك شعاع النور قريبا منه ، وهو لعامة المتوجهين ، ويسمى هذا المقام شعاع البصيرة ، وقسم قوي ناظرها ففتح عين بصيرته ، فأدرك النور محيطا به حتى غاب عن نفسه بمشاهدة النور ، وهذا لخاصة المتوجهين ، ويسمى هذا المقام : عين البصيرة ، وقسم صحت بصيرته واشتد نورها ، فاتصل نورها بنور أصلها ، فلم تر إلا النور الأصلي ، وأنكرت أن يكون ثمّ شيء زائد على نور الأصل ، كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان ويسمى هذا : حق البصيرة . ووجه تسميته بشعاع البصيرة أن صاحبها لما كان يرى وجود الأكوان انطبعت في مرآة بصيرته فحجبته عن شهود النور من أصله لكن لما رقت كثافتها وتنورت دلائلها ، رأى شعاع النور من ورائها قريبا منه فأدرك الشعاع ولم يدرك النور ، وهذا هو نور الإيمان وهو مقام علم اليقين ، ووجه تسمية عين البصيرة أن البصيرة ، لما صحت وقويت انفتحت عينها ، فرأت النور محيطا ومتصلا بها ، فسميت عين البصيرة لانفتاحها وإدراكها ما خفي على غيرها ، وهذا مقام عين اليقين ، ووجه تسمية حق البصيرة أن البصيرة لما أدركت الحق من أصله ، وغابت عن نور الفروع بنور الأصول سميت : حق البصيرة لما أدركته من الحق وغابت عن شهود الخلق ، وهذا مقام حق اليقين ، فشعاع البصيرة هو نور الإيمان لأهل المراقبة ، وعين البصيرة هو نور الإحسان لأهل المشاهدة ، وحق البصيرة هو نور